محمد جمال الدين القاسمي

75

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

النصّ القرآنيّ بصيغة الأمر : فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ . وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ بدلائل الكتاب ، أي : اذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة ! فمفاد التشبيه التسوية في الحسن والكمال ، كما تقول : اخدمه كما أكرمك ، يعني : لا تتقاصر خدمتك عن إكرامه . وفيه تنبيه لهم على ما أنعم اللّه به عليهم من الهداية والبيان والإرشاد إلى مشاعر الحجّ ! وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ أي : من قبل الهدى لَمِنَ الضَّالِّينَ الجاهلين بالإيمان والطاعة . و ( إن ) هي المخففة ، و ( اللام ) هي الفارقة . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 199 ] ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 199 ) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ أي : من عرفة لا من المزدلفة . وفي الخطاب وجهان : أحدهما : أنّه لقريش . وذلك لما كانوا عليه من الترفّع على الناس والتعالي عليهم ، وتعظّمهم عن أن يساووهم في الموقف ، وقولهم : نحن أهل اللّه ، وقطّان حرمه ، فلا نخرج منه فيقفون بجمع ، وسائر الناس بعرفات . وقد روى البخاري « 1 » عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة ، وكانوا يسمّون الحمس ، وكان سائر العرب يقفون بعرفات ؛ فلمّا جاء الإسلام أمر اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يأتي عرفات ، ثمّ يقف بها ، ثمّ يفيض منها ، فذلك قوله تعالى ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وثانيهما : أنّه أمر لجميع الناس أن يفيضوا من حيث أفاض الناس يعني : إبراهيم عليه السلام . قال الراغب : وسمّاه الناس لأنّ ( الناس ) يستعمل على ضربين : أحدهما للنوع من غير اعتبار مدح وذم ، والثاني المدح اعتبارا بوجود تمام الصورة المختصة بالإنسانية ، وليس ذلك في هذه اللفظة ، بل في اسم كلّ جنس ونوع - نحو : هذه فرس وفلان رجل ، وليس هذا بفرس ولا فلان برجل - أي : ليس فيه معناه المختصّ

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، 2 - سورة البقرة ، 35 - باب ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ، حديث 867 .